السيد محمد تقي المدرسي

48

معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)

والعقل والجسم ، وهي في الحساب الزمني حضارة العصر الحاضر ، والزمن الماضي ، والمستقبل‌الآتي . ثم إنّها حضارة المعنويات السامية ، والمعاني النبيلة ، والقيم والمفاهيم الرفيعة ، وحضارة الإصلاح والإحسان والازدهار والتقدم ، وهي الحلقة الرابطة بين الدنيا والآخرة ، بل هي مقدمة الحضارة الأخروية ، والمبشرة بها . والحضارة التي ترسمها لنا رسالات السماء وخصوصاً الإسلام في هذه الدنيا هي بمثابة المدرسة التي تصنع الإنسان‌وتصوغه ، فيتخرّج منها البشر الصلحاء الذين يصبحون أهلًا لحضارة الآخرة . الدعوة السامية إلى البناء الحضاري ومن بين ثنايا السورة المباركة نفهم وندرك الدعوة السامية إلى البناء الحضاري القائم على الركائز والأسس الإلهية التيتضمّنتها كل رسالات السماء ؛ فلو كان الذين اتبعوا النبي عيسى بن مريم‌عليه السلام قد أخلصوا في اتباعهم ومناصرتهم له ، ولوأنّهم أخذوا بالإنجيل طبقاً لما هو في الأصل ، وطبّقوه في حياتهم وانتهجوا خطوطه في مسالكهم ، ولو أنّ الذين سبقوهم‌أعني اتباع النبي موسىعليه السلام - أخذوا بالتوراة كما أنزلها اللَّه سبحانه وتعالى ، بلا تحريف ، ولا إضافة ، ولا تزييف ، ولو كانوا قد تجنّبوا الداء الذي مزّق شمل ووحدة الإنسانية في أطر الأفكار الضيقة والأطروحات الاستعلائية الجاهلية . . لوأنّهم فعلوا كل ذلك لاعتُرف بهم من وجهة النظر الإسلامية والمنظار القرآني شريطة أن يطهّروا عباداتهم وتشريعاتهم‌من تلك الأفكار والمفاهيم الدخيلة التي تشربت ونفذت إلى معتقداتهم ، كفكرة الحلول والخلوص في المسيحية ، وفكرةالعنصرية التي دخلت في اليهودية . ونحن نلحظ ونلمس في الآيات القرآنية إشارات واضحة وعديدة إلى هذه الحقيقة ، وهي أن الإسلام زرع لنا بذورالأمل والبشرى بقيام حضارة الإنسان المتكامل ، ومن تلك الإشارات الواضحة قوله عز من قائل : ( إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا